محمد جمال الدين القاسمي

193

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

من حدثك أنّ محمدا كتم شيئا مما أنزل اللّه عليه فقد كذب ، واللّه يقول : يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ . . . الآية . وفي ( الصحيحين ) « 1 » عنها أيضا أنها قالت : لو كان محمد صلى اللّه عليه وسلم كاتما شيئا من القرآن لكتم هذه الآية : وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ . و روى البخاريّ « 2 » وغيره عن أبي جحيفة قال : قلت لعليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه : هل عندكم شيء من الوحي مما ليس في القرآن ؟ فقال : لا ، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ! إلا فهما يعطيه اللّه رجلا في القرآن ، وما في هذه الصحيفة . قلت : وما في هذه الصحيفة ؟ قال : العقل ، وفكاك الأسير ، وأن لا يقتل مسلم بكافر . وقال البخاريّ « 3 » : قال الزهريّ : من اللّه الرسالة ، وعلى الرسول البلاغ ، وعلينا التسليم . قال ابن كثير : وقد شهدت له صلى اللّه عليه وسلم أمته بإبلاغ الرسالة ، وأداء الأمانة ، واستنطقهم بذلك في أعظم المحافل في خطبته يوم حجة الوداع ، وقد كان هناك من أصحابه نحو من أربعين ألفا . كما ثبت في ( صحيح مسلم ) « 4 » عن جابر بن عبد

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في : الإيمان ، حديث 288 . ( 2 ) أخرجه البخاري في : الجهاد ، 171 - باب فكاك الأسير ، حديث 95 . ( 3 ) أخرجه البخاري في : التوحيد ، 46 - باب قوله تعالى : يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ . ( 4 ) أخرجه مسلم في : الحج ، 19 - باب حجة النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، حديث 147 ونصه : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم . جميعا عن حاتم . قال أبو بكر : حدثنا حاتم بن إسماعيل المدنيّ عن جعفر بن محمد عن أبيه ، قال : دخلنا على جابر بن عبد الله . فسأل عن القوم حتى انتهى إليّ . فقلت : أنا محمد بن عليّ بن حسين . فأهوى بيده إلى رأسي فنزع زري الأعلى ( أي أخرجه من عروته لينكشف صدري عن القميص ) ثم نزع زري الأسفل . ثم وضع كفه بين ثدييّ وأنا يومئذ غلام شابّ . فقال : مرحبا بك ، يا ابن أخي ! سل عما شئت . فسألته ، وهو أعمى . وحضر وقت الصلاة فقام في نساجة ( في النهاية : هي ضرب من الملاحف منسوجة ) ملتحفا بها . كلما وضعها على منكبيه رجع طرفاها إليه من صغرها . ورداؤه إلى جنبه على المشجب ( هو عيدان تضم رؤوسها ويفرج بين قوائمها ، توضع عليها الثياب ) فصلى بنا . فقلت : أخبرني عن حجّة رسول الله صلى اللّه عليه وسلم . فقال بيده ( أي : أشار بها ) فعدّ تسعا ، فقال : إن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم مكث تسع سنين لم يحج . ثم أذّن في الناس في العاشرة ، أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم حاجّ . فقدم المدينة بشر كثير . كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، ويعمل مثل عمله . فخرجنا معه . حتى أتينا ذا الحليفة . فولدت أسماء